أحمد بن علي القلقشندي

311

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وزَفِيراً ) * ( 1 ) فالأولى ثمان كلمات ، والثانية تسع ، ونحو ذلك ؛ أما إذا طالت الثانية عن الأولى طولا يخرج عن الاعتدال ، فإنه يستقبح حينئذ ، ووجّهه في « حسن التوسل » بأنه يبعد دخول القافية على السامع فيقلّ الالتذاذ بسماعها . والمرجع في قدر الزيادة والقصر إلى الذوق . المرتبة الثالثة - أن تكون القرينة الثانية أقصر من الأولى . قال في « المثل السائر » : وهو عندي عيب فاحش ، لأن السمع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأوّل بحكم طوله ، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا فيكون كالشئ المبتور ، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها ؛ وفيما قاله نظر ، فقد تقدّم في قوله تعالى : * ( إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ) * ( 2 ) الآيتين ، أن الأولى عشرون كلمة والثانية تسع عشرة ، بل قد اختار تحسين ذلك أبو هلال العسكريّ في « الصناعتين » محتجّا له بكثرة وروده في كلام النبوّة كقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للأنصار : « إنّكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلَّون عند الطَّمع » وقوله : « المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم » وقوله : « رحم اللَّه من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم » . الحالة الثانية أن يزيد السجع على سجعتين ، ولها أربع مراتب المرتبة الأولى - أن يقع على حدّ واحد في التّساوي وهو مستحسن ، وقد ورد في القرآن الكريم بعض ذلك كقوله تعالى : * ( وأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وطَلْحٍ مَنْضُودٍ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ) * ( 3 ) فهذه السجعات الثلاث مركبة من لفظتين لفظتين .

--> ( 1 ) الفرقان / 11 - 12 . ( 2 ) الأنفال / 43 . ( 3 ) الواقعة / من 27 إلى 30 .